صديق الحسيني القنوجي البخاري
562
فتح البيان في مقاصد القرآن
ستمائة وعشرين سنة لم ير مكروها قط ولو كان حصل له في تلك المدة جوع يوم أو حكى ليلة أو وجع ساعة لما ادعى الربوبية . قالَ فرعون مجيبا لهم ومثبتا لقلوبهم على الكفر سَنُقَتِّلُ قرىء بالتشديد والتخفيف أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي نتركهن في الحياة ولم يقل سنقتل موسى لأنه يعلم أنه لا يقدر عليه ، قيل كان ترك القتل في بني إسرائيل بعد ما ولد موسى فلما جاء موسى بالرسالة وكان من أمره ما كان أعاد فيهم القتل . وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ أي مستعلون عليهم بالقهر والغلبة وهم تحت قهرنا وبين أيدينا ، ما شئنا أن نفعله بهم فعلناه ففعلوا بهم ذلك ، فشكا بنو إسرائيل . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 128 إلى 130 ] قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 128 ) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 129 ) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 130 ) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا أي لما بلغ موسى ما قاله فرعون أمر قومه بالاستعانة باللّه والصبر على المحنة ثم أخبرهم إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يعني أرض مصر وإن كانت الأرض كلها للّه أو أراد جنس الأرض ، والأول أولى يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ هو وعد من موسى لقومه بالنصر على فرعون وقومه وإن اللّه سيورثهم أرضهم وديارهم وَالْعاقِبَةُ المحمودة في الدنيا والآخرة وعاقبة كل شيء آخره وقيل أراد الجنة لِلْمُتَّقِينَ من عباده وهم موسى ومن معه . قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا وذلك بقتل فرعون أبناءنا عند مولدك لما أخبر بأنه سيولد مولود يكون زوال ملكه على يده ، وبقتل أبنائنا الآن ، وقيل المعنى أوذينا من قبل أن تأتينا بالرسالة باستعمالنا في الأعمال الشاقة بغير جعل كضرب اللبن ونقل التراب ونحو ذلك ، ومن بعد ما جئنا بما صرنا فيه الآن من الخوف على أنفسنا وأولادنا وأهلنا وقيل إن الأذى من قبل ومن بعد واحد وهو قبض الجزية منهم . قالَ موسى مجيبا لهم عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ مستأنفة كالتي قبلها وعدهم بإهلاك اللّه لعدوهم وهو فرعون وقومه وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ هو تصريح بما رمز إليه سابقا من أن الأرض للّه ، وقد حقق اللّه رجاءه وملكوا مصر في زمان داود وسليمان وفتحوا بيت المقدس مع يوشع بن نون ، وأهلك فرعون وقومه بالغرق وأنجاهم فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فيها من الأعمال أي من الإصلاح والإفساد بعد أن يمن عليكم بإهلاك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فيجازيكم بما عملتم من خير وشر .